الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

علم الاجتماع - المشكلات الاجتماعية



الانفجار السكاني كارثة حقيقية

  
نعم الانفجار السكاني المتزايد يمثل كارثة بكل المعايير، وذلك أن هذا الانفجار وما يقابله من خلل في الموارد وقصور في الإنتاج إذا ترك يتصاعد بمعدلاته الحالية فإن هذا سيعجل بالانفجار الذي تدفع إليه أمور وعوامل أخري كثيرة.
وإذا أردنا أن نعالج مشكلة الانفجار السكاني معالجة علمية فإن الأمر يقتضي أن ندرس تجارب الأمم التي نجحت في مواجهة هذه المشكلة، وأن نتبني كما تبنت حزمة من السياسات المتكاملة والقادرة علي تقديم حلول مواتية وناجزة.
ولابد أن ندرك جميعاً أن مواجهة هذه الكارثة لابد أن تكون مواجهة مجتمعية شاملة لا تقتصر علي أجهزة الدولة وحدها وإنما في جوار أجهزة الدولة فإن المجتمع المدني بفروعه كافة مدعو إلي المشاركة الفاعلة.
وقد كان الخطاب المكتوب الذي قرأه رئيس الجمهورية في افتتاح المؤتمر القومي الثاني للسكان معداً إعداداً جيداً، ولمس جوهر المشكلة، وأوضح أن مواجهة هذه المشكلة العويصة تتمثل في عدة أمور، في مقدمتها قضية التعليم وإعادة رسم الخريطة السكانية لمصر، ذلك أن المصريين يعيشون علي أقل من ستة في المائة من المساحة الجغرافية.
وإذا كان الرئيس قد دعا الكتاب والمفكرين وأجهزة الإعلام ورجال الدين المستنيرين إلي التصدي لهذه المشكلة وقيادة الحملة القومية التي تحاول مواجهتها، وصولاً إلي الوسائل الناجحة في هذا السبيل فإن هذه الدعوة لابد أن تلقي استجابة وعملاً وجهداً من الجميع.
فكيف يكون ذلك؟
ونظراً لاتساع مساحة الأمية، خاصة في المجتمع الريفي، فإن الإعلام المرئي ـ قنوات التليفزيون - تحمل مسؤولية كبيرة في هذا الصدد ولكن المشكلة أن الشعب المصري قد فقد الثقة في الإعلام الرسمي، ويأخذ ما يقال فيه إما علي أنه موضوعات إنشاء تنتهي بمجرد إلقائها، وإما أنه كلام يلقي ولا يقصد من ورائه إلا الكلام.
واستعادة ثقة المشاهد ليست أمراً سهلاً، وتحتاج إلي وقت طويل، ولكنها ليست بالأمر المستحيل، إذا أخذنا أمورنا مأخذ الصدق والجد وإذا اعتاد المشاهد علي ذلك، وأدرك أن ثمة تغيراً حقيقياً نحو الصدق والشفافية.
وقد تحدث السيد الرئيس عن الخطاب الديني المستنير، وهذا أمر بالغ الأهمية، نظراً لتأثير الدين علي مجتمعاتنا، ونظراً لكثرة الخزعبلات التي تبشر بالجنة أولئك الذين يتناكحون ويتناسلون في سباق مع الأرانب ومع الخراب والعياذ بالله، وقد فقد الناس الثقة في مشايخ السلطة كما فقدوا الثقة في الكتبة العموميين الرسميين.
وفي مواجهة مشكلة الزيادة السكانية فإن قضية التعليم بكل أبعادها تبدو أمراً بالغ الأهمية، والمشاهد الذي تقوله وتعكسه الإحصاءات العلمية أن الأسرة المتعلمة أقل عدداً من الأسر التي تسود فيها الأمية، وهنا تبدو أهمية تعليم المرأة إذ الغالب أن المرأة المتعلمة لن تتزوج إلا رجلاً متعلماً،
وبذلك نضمن وجود أسرة علي قدر من العلم والوعي، ومثل هذه الأسرة لابد أن تدرك أن الأسرة الصغيرة هي الأسرة الأكثر مناسبة لهذا الزمن الذي نعيش فيه.
مسألة أخري شديدة الأهمية بالنسبة لقضية التعليم، أن التعليم قادر - ولو جزئياً - علي أن يجعل من نقمة الزيادة السكانية قدراً من النعمة، لو أن التعليم وصل إلي الحد الذي يحيل الطاقة البشرية من عملية سالبة إلي عملية موجبة،
وذلك عن طريق تصدير العمالة البشرية إلي الخارج إن مجرد تصدير القوي العاملة اليدوية لم يعد أمراً مطلوباً ولا مرغوباً في كثير من بلاد العالم، إن الطلب الآن علي العمالة الماهرة المتعلمة والمدربة، الهند الآن قادرة علي تصدير العمالة المتعلمة المدربة.
كذلك فإن التعليم يزيد الإمكانية الإنتاجية لدي المتعلم، ولا شك أن زيادة الإنتاج ومن ثم زيادة الموارد وتقليل الواردات كلها من العوامل التي تخفف من الأزمة الاقتصادية، والأزمة السكانية أحد روافدها.
ولا شك أن موضوع الخريطة السكانية وضرورة توزيع السكان توزيعاً غير القائم حالياً أصبح أمراً ملحاً وأصبح أمراً متعلقا بالأمن القومي حقيقة لا مجازاً.
إن بقاء سيناء خالية من السكان يهدد أمن مصر القومي تهديداً حقيقياً وإن تنمية سيناء وتوصيل الماء لها واستزراع مساحات كبيرة فيها أمر ممكن، حتي وإن احتاج إلي بعض الجهد، وهو أمر لم تعد هناك مندوحة عنه، إن سيناء قادرة علي استيعاب أكثر من خمسة ملايين نسمة دون إرهاق، وتنمية سيناء بشرياً واقتصادياً وسياحياً لابد أن تكون عاملاً فعالاً من عوامل مواجهة التوزيع المختل للسكان في مصر.
كذلك فإن موضوع الدراسات العلمية للصحاري، ومحاولة الاستفادة من تلك المساحات الشاسعة من الأمور التي يمكن أن تسهم في حل المشكلة السكانية في مصر.
إن العيش علي مساحة حوالي خمسة في المائة من مساحة مصر، وترك ٩٥% من الأرض المصرية مهجورة مقفرة هو أمر بائس بكل المعايير.
وإذا كان ذلك كله يدخل في باب التوجيه واستنهاض الوعي بحجم المشكلة، فإني أعتقد أن تدخلاً تشريعياً قد يكون لازماً نظراً لخطورة الأزمة وآثارها المدمرة، هذا التدخل التشريعي يتمثل في ألا يدرج علي بطاقات التموين إلا الابن الأول والابن الثاني،
ولا يتمتع بمجانية التعليم إلا الابن الأول والابن الثاني، ولا يتمتع بأي تأمين صحي أو علاج علي حساب الدولة إلا هذان الابنان فقط، وقد يكون هذا التدخل التشريعي - مع قسوته - أكثر تأثيراً من كل الأمور الأخري.
بعض البلاد جعلت الإنجاب بعد الطفلين الأولين جريمة يعاقب عليها جنائياً، ونحن لا نريد أن نصل إلي هذا المدي، ولكن كما قيل إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
إن الأمر جد لا هزل فيه، ومستقبل مصر يعتمد علي مواجهة هذه المشكلة مواجهة علمية جادة، فهل نحن فاعلون.